سهيلة عبد الباعث الترجمان
302
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ذاته " « 1 » وهنا يحذر ابن عربي من الانزلاق في مهاوي الاتحاد ممن لا دراية لهم لأنه بعيد الغور منغلق المعاني لا يدرك بالعقل يقول : " فإن من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال : " أنا من أهوى ومن أهوى أنا " فلهذا نستره ونكتمه " « 2 » ويمثل على ذلك بالدائرة الوجودية مبينا معنى الوحدانية والتكثر ، فالدائرة وأبعادها ترمز إلى الحق الواحد وإلى الوجود المتكثر عنها ، والاستواء بمعناه الإلهي الذي يمثل اللّه الواحد ، وبمحيط الدائرة يمثل الكثرة ، فكيف فسّر ابن عربي حقيقة أمر الوجود ؟ . - دائرة الوجود : يعتبر الصوفية الشكل الكروي مثال الوجود لارتباط بدايته بنهايته . ولما كان الوجود واحدا ، ومآل الجميع فيه إلى اللّه الواحد حيث يرجع الأمر إليه بداية ونهاية ، فقد تعارف الصوفية من أصحاب وحدة الوجود على الإشارة بالدائرة ، إلى تكامل الوجود وتوحيده بين وجود الخالق والمخلوق بارتباط طرفي الدائرة . وقد رمز ابن عربي بتوحيد أبعاد الدائرة عن مركزها إلى رد الكثرة إلى الوحدة بعد صدورها عن الواحد ، وهي النقطة وسط الدائرة . وقد اعتبر ابن عربي هذا الوجود رحمة ، لأنه مصدر صدوره الكثرة عن الواحد ، والتي تعود إليه فتتوحد بعد تكثّر . وقد أشار إلى صورة هذا الوجود الدائري بقوله : " إن الوجود في الصورة دائرة انعطف أبدها على أزلها ، فلا يعقل إليه إلّا وعقل المألوه ، ولا عقل رب إلا وعقل المربوب ، ولكل معقول رتبة ليست عين الأخرى ، كما نعلم أن بين الخاتمة والسابقة تميزا معقولا به يقال عن الواحدة سابقة وعن الآخرة خاتمة . وقولنا أن الخاتمة عين السابقة إنما ذلك في الحكم على المحكوم عليه بالمحكوم عليه بتثبت الخاتمة في السابقة " « 3 » . بل إن ما يراه في خلق الخلق ميل إلى الاستدارة ، وهذا معناه الرجوع إلى الحق تعالى في نهاية كل أمر . إلا أن ظهور الأجسام تمّ عن حركة دائرية للفلك ، وليس ثمة شيء من الموجودات ليس له
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفناء في المشاهدة ، ( الرسائل ) ، ص . ص 2 - 3 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 3 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 669 .